عبد العزيز التوم ابراهيم
شيخ جهنم؛ بوعظه ووعيده وتهديده ، عن حديثه اللامُتناهي عن نارجهنم ؛ هي الخزي العظيم ، والخُسران المُبين ، والجزاء الأليم ، نارها حامية، وأطرافها مُترامية ، وقعرها بعيد ، وهوائها السموم ، ومائها حميم ، انها تأكل كل شيئ ، لا تُبقي ولا تذر ، تحرق الجلود ، وتصهر ما في البطون،عليها ملائكة شِداد غِلاظ ، الداخل فيها ما أحسره، يُعذب أشد العذاب، يُصب الحميم فوق راسه، يصرخ طالب الخروج او الموت ولا مُجيب…. هكذ كان شيخ جهنم يرددها في اي مكان ،وكان لسانه لا يلفظ سوي هذه العبارات ،ما من حلقة علم او بيت عزاء او حتي حفل عرس الا وترامي بنغمتها هذه وختمه بحسرة شديدة مصحوبة ببكاء وزرف الدموع،لذلك كان الصبية يُلقبونه بشيخ جهنم ! كانوا يرون في شخصه مصدر حزن وكآبة ، يسئمون من الجلوس معه ، تقشعر الجلود منه ، وترتجف الاجساد حينما يمر بمكان ، وكأنما هو الجهنم نفسه ، وقبل ان تُقوض التكنلوجيا الرقمية اُسس الحياة الطبيعية ، وتحتل الكهرباء مكان المسارج والتُكايات ، وتنقلب التلفزيون علي سلطة ذاكرة الحبوبات ، وكالعادة ؛ في الايام القمرية الساطعة ، تتكاثر حلقات السُمر تحت ضوء القمر ، في مجموعات مُنظمة ومُتقنة فقط تحكمها قانون السجية ، لا شرطة نظام عام ولا بوليس نجدة وعمليات ، الصبية باهازيجهم الجميلة ، الشباب بأبلستهم وتربصهم لبعضهم البعض، النساء بثرثراتهن واحاديثهن المتطاولة ،عن شمارات البيوت ، عن الزيجات والطلاقات ، عن الشجارات في الحلة ، عن أخبار حمل البنات سفاحا، الشيوخ والاباء بمشاغلهم وهمومهم ، عن المزراع والسوق ، الحبوبات وقصصهم التي تندي منها الحكم ؛ قصص الثعلب ( ابو حليمة ) والاسد والمرفعين.
الصبية وخاصة في لحظات السعادة والإنتشاء ، ساعات الاستمتاع بقصص الحبوبات والتي تاتي دائما بعد الجري والمُطاردات واستنزاف كل الطاقات ،حيث يضع كل راسه علي فخذي امه بكل دف وحنان مصحوبا بمتعة احساس قتل القمل علي الرأس، في هذه اللحظات يتمني الصبية الا تمر عليهم شيخ جهنم ! ، لا يعرف احد كنه عدم حب الصبية لشيخ جهنم، هل لانه كان دائما يظهر الصورة المأساوية لحياة الدنيا ، وهل لانه كان يُسمع الصبية ما لا يَودون سماعه في ذلك الوقت الخصب؟ ، أم يكرهونه لانه كان يُمارس الإرهاب والتخويف عليهم ؟ كلا؛ يلا يدري أحد ! ولكنه قد حكي أحد الصبية السبب من وراء حديثه عن جهنم ، وفي ليلة بينما كان جميع الصبية منتظرين بترقب وصبر شديدين كحال من يترقب خبر موته ، قال: ” ان هذا الشيخ كان له طفلان ، وكان يُعلمهما القران في خلوته الخاصة، لا يسمح لهما أبدا الذهاب الي خلوة الحلة الذي كان يجمع كل أطفال الحي والاحياء المجاورة، كان يضربهما ضرباً شديداً لحد الإغماء ،وفي بعض الاحيان يمنعهما من الاكل والشرب حتي يكملا اللوح كتابةً وحفظاً ، كانا لا يعرفان طُعما للحياة، ولا يُسمح لهما ممارسة حياتهما كبقية الاطفال ، يقضيان كل وقتهما مابين القراءة والحفظ ومابين الجري وراء اذناب الغنم ، وبعد توقف قليل ، كرر قائلا : نعم هذان الطفلان لا يعرفان في الحياة سوي رعي الاغنام والخلوة ! ، وذات يوم قد مرض ابوهما مرضاً شديداً وقضي وقتاً طويلا ملازماً للفُراش كملازمة أبينها للخلوة والغنم ، وفي أثناء ساعات المرض ، قد عُرِّض لعذاب شديد وشاهد مناظر مُخيفة للغاية بسبب تعذيب طفليه ، ومنذ ذلك الحين ظل يحدثنا عن الجهنم والعذاب ، كذاب، كذاب ساكت، ما تصدقوا كلامو ! فقد جلجل جميع الصبية بالضحك حتي احدث صوتا داوياً وسكت جميع حلقات السمر الاخري بهول هذه الضحكة وحتي طار الديوك والدجاج من فوق الحيشان ومعمع الغنم والضأن في الزرائب وصحا شيخ أسحاق من النوم ونادي بصوت عال ” الحاصل شنو يا أولاد” ، وبعد بضعة دقائق ركبت الصمت حالة الضوضاء ، وصاح احد الصبية ، هذا كلام غير صحيح ؛ لان جهنم مذكور في القران الكريم ودرسناه في خلوة فكي ” أبكر” ……. كهذا مرت ايام وأيام؛ ورُوي ان الصبي الذي فك لغز شيخ جهنم ذهب الي اروبا واصبح مثقفاً بارزاً بينما الصبي الذي إعترضه هو الآن من أكابر الفكايا وإمام مسجد وشيخ خلوة !.
هكذا كان شيخ جهنم كان يشكل تهديداً خطير لكيان الصبية ، ولكن يا تُري هل أصبح الجهنم التي كان ينبذها الصبية انذاك واقعا ملومسا لصبية اليوم ؟ وهل يعرفون متي تهل الهلال ؟ وهل يتابعونها بشغف وترقب كما كان صبية الامس ؟ ام ان كابوس جهنم الكيزان قد نزل بهم ناراً وعذاباً كما كان فقط في مخيلة الصبية وقتذاك؟ اذن أين الجلسات المُفعمة بالامل والحيوية مع الحبوبات؟! ، الاطفال الان في الاسوق والاعمال يذهبون جماعاةً وفُرادى وكان لسان حالهم تقول يا ليت نفسي وقوتي وملبسي ومشربي ، بالضبط كما كان يُحدث شيخ جهنم الصبية في ذاك الزمان! ينتشر الاطفال في الطرقات والحواري وازقة الاسواق والاماكن العامة، يتسابقون في دفع الدرداقات باحدي ارجلهن في حركة تمزج مابين الإنتشاء والبؤس ، ويحرصون علي ترصد موظفي الامم المتحدة الذين ياتون مرة واحدة في الاسبوع للسوق بغرض التسوق ، وبمجرد وصولهم الي السوق يُحيط بهم الأطفال بدرداقاتهم ويطلقون العبارت المعتادة ، صديق … صديق … ويهرولون ورائهم في كل ازقة وشوارع السوق ، وكلأنهم ضباب يأملون علي سقوط عضو من الجسم لالتهامه ، تتبدي كل حالات المأساة ، اطفال مادون العاشرة يحملون أثقالاً يستعصي علي الاربعيني حمله ! وذات مرة وقف احد موظفي الامم المتحدة ، بقوامه الفارغ ، وعضلاته المفتولة ، وبجثته الضخمة في وسط إحكام شديد من الاطفال بدرداقاتهم ، وخطب فيهم قائلا : ايها الاطفال اود ان اخبركم اننا في الامم المتحدة لدينا قوانين وقواعد تمنعنا من تشغيل وعمالة الاطفال ، وخاصة اتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، تمنعنا منعاً باتاً، وقف الاطفال جميعهم بصمت وكلانهم في طابور الصباح المدرسي وكل يتحسس درداقته ، وحينما أكمل الموظف بيانه ، صرخ جيمع الاطفال ، صديق …صديق … وتدافعوا نحو العربة ، ومن ثم إنتشروا وراء الموظفين الذين هموا للدخول في السوق، لم تكن اللغة التي تحدث بها الموظف مفهومة لدي الاطفال ، لغة الحقوق والاتفاقيات ، لغة منع الاطفال من العمل ، أبدا الاطفال يفهمون لغة واحدة ،وهي: كيف يؤمن الطفل لمبلغ 20-جنية لكي يشتري به كيس الكمونية والرغيف لامها التي تنتظرها في البيت بعد ان قُتل والده في الحروب العبثية التي صنعتها أيادي الفوضي والخراب ،واي حق واي قانون يتحدث عن منع عمالة الاطفال دونما مراعاة للظروف التي تدفعم دفعا نحو هاوية الموت بالجوع ! أنها اتفاقية وهمية لا تعرف ظروف ومُقتضيات الحال ! ألم تكن من الاجدر حل جذور مشكلتهم الاقتصادية بدل التمسك بالمبادئ المجوفة والمهزومة من قبل الواقع ، حقا انها مأساة المثال في الواقع؟!
في واقع تشير لاقصي درجات البؤس الاجتماعي ؛ مُسِنين يتوكؤون علي العصي يجوبون الشوارع ،يسألون الناس ، الشباب يتكدسون في محلات صانعي الشاي ،شجارات مُتفرقة من هنا وهناك،أطفال ماسحي الاحذية ، يحملون صناديق ورنيش مُتقنة ومُحكمة ، ومُزينة بألوان زاهية ، هي تلك الأمل الوحيد بعد ان تداعي المسئوليات والواجبات ، وبعد ان تنازلت الدولة والمجتمع بواجبها تجاههم ، في الوقت الذي توفر فيه حكومة أمير المؤمنين الزائف للاطفال السوريين في الخرطوم أرقي المدارس وضمان تاميني شامل تحت شعار ” السوريين ضيوف لنا وليس لاجئيين ” ، الاطفال هنا يقضون يوما كاملا والبعض الاخر بعد دوام المدرسة ، يدخلون راكوبة تلو راكوبة اخري ، يضربون اجراسهم ..كش ..كش .. الذي حل محل أقلام المدرسة ، يقتربون من الزبائن في محلات صانعي الشاي ، ويُمعنون في ضرب الاجراس..كش …كش…كش… يزداد الزبائن غضباً وغيظاً ، فينفجر بعضهم في وجوههم، يسبونهم ويلعنونهم ، ومع ذلك في وجوههم بريق الامل والحياة ، مجتمع لا يرحم ،يمارس عليهم أقصي درجات العنف والاستعباد ، لا لشيئ فقط لكونهم يبحثون عن لقمة عيش كريم ، صور لا تقل بشاعة عن وصف شيخ جهنم لاهوال النار ، انها حقا جهنم ،اذن من ينقذ هؤلاء الاطفال؟